بقاء الاتصالات في قبضة الحوثي: محاولة أولى لفتح الصندوق الأسود

2020/05/28 الساعة 09:11 مساءً

- الآلاف من القادة والجنود يُستهدفون بطريقة غادرة، بسبب تحكم الحوثيين في شبكة الاتصالات. - سنوات من الحرب تتوالى، يدفع ثمنها الشعب من قوته وأرواحه لأسباب عدة أبرزها سيطرة الحوثي على قطاع الاتصالات.

- مئات المليارات من الريالات تدخل إلى جيوب الحوثيين ويُصرف قسم منها لشراء أسلحة تطيل أمد الحرب، وذلك بسبب سيطرتهم على إيرادات الاتصالات.

- الآلاف من اليمنيين يزج بهم الحوثي في السجون بسبب تنصته على رسائلهم وتواصلاتهم.

- الملايين من أبناء الشعب في كل أنحاء البلاد يدفعون رغم أنوفهم، رسوم “مجهود حربي” للحوثيين بسبب وجود الاتصالات تحت قبضتهم.

- مئات المواقع الإخبارية ومواقع القنوات والهيئات والصحف اليمنية الحكومية والعربية، محجوبة في كامل أرجاء اليمن بسبب تحكم الحوثي بشبكة الانترنت.

- آلاف من الرسائل التعبوية تصل سنوياً إلى هواتف المشتركين، بسبب تسلط الحوثي على شركات الاتصالات…

ونقاط أخرى كثيرة، ليس آخرها، استشهاد مجموعة من الأبطال بقصف صاروخي أمس الأول في مأرب، بينهم النقيب فهد صغير بن عزيز نجل رئيس هيئة الأركان العامة، وستة من رفاقه.

وقبل ذلك، حرب تدور رحاها في أبين بين الشرعية والانتقالي بدأت شرارتها باستشهاد أبواليمامة – منير اليافعي على يد الحوثيين بشريحة اتصالات دون أن يكلف أحد نفسه للغوص في جذور الإشكال.

كل هذا وغيره، يجعل من مسألة تحرير قطاع الاتصالات من قبضة الحوثيين، أمراً مفصلياً بالغ الأهمية، لا نبالغ إن قلنا إنه يمثل 90 بالمائة من معركة الحسم.

بعبارة أخرى، وفق أحد المواطنين، فإن تحرير الاتصالات يساوي تماماً تحرير صنعاء.. فلماذا إذن يظل هذا القطاع بمنأى عن محاولة الشرعية لاستعادته؟ ولماذا يظل ملفاً مسكوتاً عنه رغم أهميته الكبيرة، ويصبح بالتالي باباً للتكهنات والشكوك والهواجس والاتهامات..

هل هناك قصة وراء عدم تحرير هذا القطاع؟ وهل يتعلق الأمر بصعوبة التنفيذ أم بالإهمال والتفريط أم بالفساد والمحسوبية أم بالخيانة والتواطؤ!!

أسئلة بحثنا عن أجوبة لها منذ مدة وتم التواصل مع المعنيين في الأمر، كباراً وصغاراً، لنخرج بهذه الحصيلة الأولية المتواضعة التي يُراد منها أن يظل الملف حياً وموضوعاً دائماً للبحث والتحري.

وقبل سرد الحصيلة، لابد علينا أولاً من الترحم على شهدائنا الأبطال، الذين قضوا بسبب اختراق حوثي تقني بوسائل الاتصالات، ومن بينهم اللواء عبدالرب الشدادي ، واللواء محمد صالح طماح والعميد منير اليافعي أبواليمامة، والنقيب فهد صغير بن عزيز ورفاقه، ومئات أخرين، وربما كانوا بيننا الآن لو لم يكن العدو هو المتحكم بشبكة الاتصالات، وهذا عدا عن المحاولات الفاشلة التي طالت وأصابت قادة كبار، من أمثال رئيس الأركان الأسبق اللواء طاهر العقيلي ورئيس الأركان السابق عبدالله النخغي وأكثر من محاولة استهداف طالت وزير الدفاع محمد علي المقدشي ورئيس الأركان صغير بن عزيز.

إشكال أولي

القضية تتطلب العودة قليلاً إلى الوراء، حيث تم جعل التحكم بهذا القطاع مركزياً إلى حد كبير، سواء من الناحية العملية أو اللوائحية، الأمر الذي جعل الحوثي هو المتحكم الوحيد بمجرد سيطرته على العاصمة. علماً أن الحوثيين وحتى بعد سيطرتهم على العاصمة، لم يكونوا يحلمون أن هذا القطاع سيكون تحت تصرفهم بشكل كامل، ولهذا سعوا إلى تأسيس شركة اتصالات خاصة بهم، وقطعوا خطوات في ذلك، لكنهم توقفوا عندما أيقنوا ألا حاجة لهم بشركة خاصة، بعدما أصبحت الشركات كلها الرسمية والأهلية كلها، في قبضتهم.

فلماذا إذن بقيت سيطرتهم حتى بعد تحرير أجزاء كبيرة من البلد، يمكن أن تنتقل إليه مقار الشركات ورسيفرات التحكم؟ الصادم أن الأجوبة التي حصلنا عليها تكاد تُجمع على ألا عوائق تقنية في هذا الجانب. كما تؤكد الإجابات على وجود بدائل وحلول لأية عوائق قد تعترض النقل سواء ما يتعلق بالاتصالات الهاتفية أو شبكات الانترنت، ذلك أن الكابلات البحرية التي تغذي الاتصالات اليمنية، ثلاثة، أحدهما في الحديدة وثانيها في عدن وثالثها في المهرة. أي أن الشرعية تتحكم بخطين من ثلاثة خطوط تغذي الاتصالات، بالنسبة للانترنت. وثلاثتها تصل إلى صنعاء ويقوم السنترال فيها بتوزيع الخدمة على اليمن، وبالإمكان بالنسبة للخط الثالث، تحويله إلى الشرعية، بمجرد خطاب رسمي تتقدم به الحكومة للمزود الدولي.

أما ثانياً، فقد يستغرب القارئ عندما يعرف أن كل المؤسسات الرسمية للاتصالات، التي يتحكم بها الحوثي في صنعاء، تتمتع حتى اليوم بكامل المشروعية أمام الجهات الرسمية الداخلية والخارجية، وعلى رأسها الاتحاد الدولي للاتصالات في لندن. إذ لم يتم تعيين أي مسؤولين جدد كبدلاء للمسؤولين الموجودين في صنعاء. وهو ما تضمنه تقرير غير منشور للمهندس محمد المحيميد قبل أشهر ورفعه إلى الجهات المختصة واطلعت عليه في حينه. ولدى المحيميد ترشيح بتعيينه وكيلاً للوزارة التي تعد إلى الآن الوزارة الوحيدة التي لم يُعين فيها أي وكيل وزارة، في حين تم إغراق وزارات أخرى أقل أهمية، بعشرات الوكلاء والمستشارين، وهو ما يعلله البعض بالقول إن ثمة سراً لا يُراد له أن يفشى.

وبعيداً عن هذه الاتهامات، يظل الأهم في موضوع الاتصالات بالظرف الحالي، هو الانعكاسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية لبقاء هذا القطاع الحساس تحت سيطرة مليشيات الانقلاب.

خسائر عسكرية

عسكرياً، يستخدم الجيش شبكات تواصل خاصة في أغلب الأحيان، لكنها لا تغنيه أبداً عن استخدام شبكات الاتصالات المحلية، الأمر الذي يستغله الحوثيون في تحديد المواقع ومعرفة تواجد القيادات وخارطة التحركات. ويدفع الجيش الوطني ثمن ذلك غالياً من خيرة أبنائه.

إلى ذلك، نجد أن الحوثيين عندما يستكملون إعدادات الهجوم على أي منطقة، يبدأون بقطع الاتصالات عن تلك المنطقة حتى لا يستطيع سكانها التواصل مع أفراد الجيش أو قيادات الشرعية.. تكرر ذلك في أكثر من مكان، في حجور ونهم والجوف، وكان مثل هذا الإجراء عاملاً حاسماً في وأد انتفاضة 2 ديسمبر ٢٠١٧ في صنعاء.

يضيف أحد المختصين أن الطائرات المسيرة التي يطلقها الحوثي باتجاه المناطق المحررة وبعض المدن في السعودية، تعتمد أيضاً على الاتصالات، وأن مثل هذا السلاح سيكون غير ذي جدوى، إذا ما تم نزع الاتصالات من قبضة الحوثي.

هناك عامل آخر، يتمثل في تقييد الحركة لدى وحدات الجيش التي تستشعر أنها مراقبة من قِبل العدو، عكس الحوثيين الذين يتحركون بأريحية وخططهم كاملة السرية.. والعكس من ذلك سيكون إذا تم تحرير الاتصالات، إذ ستكون تحركات الحوثيين هي المقيدة، وسيشعر قادتهم أنهم مراقبون، الأمر الذي سيكون له نتائج حاسمة على أرض الميدان.

هناك من سيقول إن الاختراقات الحوثية داخل الجيش، تلعب دوراً في استهداف القيادات وكشف الجيش، وهذا وارد، لكن هذه الاختراقات ستكون مشلولة الحركة، حينما تكون الاتصالات بيد الحكومة.

ومن اللازم التأكيد على أن الحصول على معلومات إضافية في هذا الجانب، أمر تكتنفه بعض الصعوبة لخصوصيته العسكرية، وبالتالي لا مناص من الانتقال للشق الثاني المتمثل بالجانب الأمني، الذي له انعكاسات عديدة بعضها يتعلق بالجانب الجنائي، بالإضافة إلى جوانب أخرى منها أن جميع شبكات التحويل والصرافة، تتم عبر الاتصالات والانترنت وكلها مكشوفة للحوثي.

الاتصالات منجم الذهب

اقتصادياً تُدر الاتصالات إيرادات سنوية إلى جيوب الحوثيين تقدر بمئات المليارات، فخلال الفترة بين 2014 و2018 بلغت من الزكاة والضرائب مليار واثنين وثمانين مليون ومائتين وتسعة وعشرين ألف دولار (ما يناهز نصف تريليون ريال يمني). وبلغت من الأرباح اثنين مليار وتسعة وثلاثين مليون وسبعمائة وثلاثة وعشرين ألف دولار (أكثر من تريليون ريال يمني).. عدا عن رسوم التجديد التي تؤخذ من الشركات الخاصة مقابل ملايين الدولارات، علماً أنه منذ العام 2015 تم التجديد مرتين على الأقل، دون أن تعترض وزارة الاتصالات مجرد اعتراض.

فوارق المكالمات الدولية تبلغ سنوياً نحو 90 مليون دولار تصل إلى جيوب الحوثيين من كافة الدول باستثناء المملكة العربية السعودية، علاوة على ما يحصده الحوثيون من تبرعات جراء رسائل المجهود الحربي عبر sms، إضافة إلى عوائد المؤسسة العامة للاتصالات (الهاتف الثابت)، والبريد وعوائد الإعلانات من الشركات العالمية. ومن شأن هذه الإيرادات إذا ذهبت إلى خزينة الدولة أن تغطي جزءاً كبيراً من التزامات الحكومة ورواتب الموظفين.

المؤسف في هذا الجانب أن كثيراً من هذه الإيرادات لا تحتاج الحكومة الشرعية للحصول عليها إلا بعض التعديلات القانونية، إذ ينص القانون أن ضرائب وزكوات كبار المكلفين تُدفع في المدينة التي تتواجد بها المقار الرئيسية للشركات، وبالتالي فضرائب فروع شركات الاتصالات في عدن وحضرموت ومأرب وتعز وغيرها من المناطق المحررة، تذهب إلى الحوثيين بنص القانون. وكان يمكن أن تذهب إلى الشرعية “فقط بتعديل نص قانون”.

ما الخطوات التي بذلتها الشرعية؟

قمنا بالتواصل مع وزير الاتصالات المهندس لطفي باشريف ورد علي بالتحية وتهنئة العيد، ثم عزف عن الإجابة على تساؤلاتي، كما تم التواصل مع دولة الدكتور أحمد عبيد بن دغر رئيس الوزراء السابق، بوصفه أيضاً كان وزيراً للاتصالات، والذي وعد بإفادة مفصلة يكتبها وزير الاتصالات تم انتظارها ساعات دون جدوى، وسيتم نشرها فور وصولها إن شاءالله.

إلى ذلك.. أفادت مصادر مطلعة أن شخصيات في الشرعية اقترحت على الرئاسة بعض الحلول، على سبيل المثال، مقترح قدمه وزير سابق ومستشار حالي للرئيس، للتعاقد مع شركة أجنبية لتوفير عشرات الآلاف من خطوط الاتصالات، تُخصص للجيش ويتم بيع الفائض منها للمواطنين. وذكرت المصادر، أن الرئاسة استحسنت هذا المقترح، لكن الأمر برمته لم يتعدّ ذلك الاستحسان.

وبناءً على التواصل مع مسؤولين في شركات اتصالات خاصة، فقد أفادوا أنهم كانوا على أتم الاستعداد لنقل مقارهم الرئيسية إلى عدن أو أية مدينة في المناطق المحررة، بل وأنهم طالبوا الشرعية بذلك، ولكنها خذلتهم، ويشيرون بأصابع الاتهام الى الوزير باشريف أنه وقف حجر عثرة أمام إجراءات النقل، وتأتي قصة سبأفون كأوضح مثال.

لماذا مثل هذا الخذلان ومثل هذا التراخي والإهمال رغم كل هذه الأهمية لهذا القطاع. هنا ندخل إلى الجزء الأكثر صعوبة في هذه التناولة. إذ هناك تفسيرات بأن التراخي نشأ في الأعوام الأولى للعاصفة، بسبب الاعتقاد الذي ساد حينها بأن معركة التحرير لن تطول وبالتالي لا داعي لإجراءات النقل، وهو الاعتقاد الذي أثبتت الأيام عدامته في ظل سيطرة الميلشيا على الاتصالات.

تفسيرات أخرى تقول إن ثمة أطرافاً في الشرعية تعرقل جهود تحرير هذا القطاع، لخدمة مراكز قوى تريد أن تنشئ شركات اتصالات بديلة. واتهامات ثالثة تقول إن هذا الإهمال ناتج عن فساد بعض المعنيين متهمةً إياهم بتلقى رشاوى وحصص من قبل الحوثيين للإبقاء على هذا القطاع تحت قبضة الانقلاب.

وبعد كل ما سبق فإن هذه التناولة كما هو عنوانها “محاولة أولى” أملاً في قرع ناقوس الخطر، إزاء قضية تستنزف الأرواح والأموال والسنوات. وذلك بوضع الأسئلة الجادة على بساط البحث والتحري، وبعد هذه الأسئلة سوف تجد الأجوبة طريقها ولابد إلى عقل كل باحث عن الحقيقة ولن تظل الحقائق حبيسة التعتيم. ونرحب بكل إفادات تثري الموضوع سواء من الجهات الرسمية أو من شركات الاتصالات أو من الأشخاص المهتمين والباحثين والخبراء في هذا المجال. وكلنا ثقة أن الطرق الدائم على هذا الملف الحساس لابد وأن يأتي ثماره مهما كانت العوائق.